ابن بسام
413
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
مطلع الليل يأمل ألّا يظلّ ، ونصب راحته تلقاء الفجر يحاول ألا يطلّ . 27 - وله من كتاب جاوب به العدوّ : فتخيّل حالك وقد أحاطت بك تلك الأجناد المتكاثفة ، والأعداد المترادفة ، بحر متلاطم موجه ، بعيد ساحله ، يرتمي من رعاله ، وكراديس أبطاله ، بموج لجّيّ ، قد نثلت عليه مضاعفة الأزراد ، بدل الأزباد ، فيغشاك منه ما يعيد بحرك وشلا ، وعزمك فشلا ، ويعيد بأسك خورا ، فلا تزال غريق تلك البحار ، وحريق تلك النار ، ولو صدقت في حال طيرك لأنبأتك أن جدّك ناب ، وحدك كأب ، وأنك عمّا قريب قد جدلت ففللت ، وأسلمت فاصطلمت ، وكأني بك في القيد ، ووثاق القدّ ، قد خيرت بين اثنين : إما أن تسلم فتسلم ، أو تشرك فتهلك ، ولم يكن اللّه عزّ وجل ليهديك سبيل من تاب وأناب ، فيجمع لك بين العيث في أمته ، والمنقلب إلى رحمته . 28 - وفي فصل من أخرى : أنه تأكد بإلحاح العدوّ على فلانة ما لم / تنفكّ معه من مغاره ، واصطلاء ناره ، مع تداني داره ، واقتراب جواره ، فما من غدوّ ، إلّا ومعه طلوع عدوّ ، وما من رواح ، إلّا ومعه وقوع اجتياح ، ولما علم اللعين من أخلاقها ما علم ، دنا فتدلى ، وكان قاب قوسين أو أدنى . 29 - وله من أخرى : إن كان التنازح - أعزّك اللّه - لم يمتدّ بيننا فيه يد للتصافح [ 147 أ ] إلّا من الجوانح ، ولا قام خطيب للقرب ، إلّا في نأي القلب ، ولا نطق لسان الودّ ، إلّا دون ستر البعد ، ولا لمع برق للاستطلاع ، إلّا في حجب السماع ؛ فلا غرو أن يعرب ذلك النطق ، ويستطير ذلك البرق ، فقد تقوم البصيرة مقام البصر ، وتكون الأمنية أحلى من الظفر ، وما أتنسّم دائبا من ثنائك العاطر ، وأرتع فيه سمعي من صفة خلقك الظاهر الطاهر ، قمين أن يكون للمداخلة سببا ، وخليق أن يكشف عن وجه المراسلة حجبا . 30 - ومن أخرى : مثل الأمير - ممّن المجد من أعداده ، والبأس من أجناده ، والفهم من طلائعه ، والحلم من طبائعه ، والكرم من حلاه ، والسؤدد من علاه ، والعزم من خدمه ، والحزم من شيمه ، والإقدام والإكرام والإنعام من صفاته ، والرئاسة والنفاسة والسياسة من سماته ، والفضل من أخلاقه ، والشرف من أعراقه ، والمحامد من أرديته ، والنصر معقود بألويته - جدير أن تهزّ نحوه الآمال ذوائبها ، وحقيق أن تعمل إليه الآمال ركائبها . ولما أقبلت - أيدك اللّه - كما ابتسم الصارم الذكر ، وحللت كما وافى المحل